القاضي التنوخي

253

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

[ وكان إذ ذاك على كور الأهواز ، ثم تقلَّد عمالة البصرة لسباشي الحاجب الخوارزميّ التركيّ « 1 » ، ثم لمعزّ الدولة ، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد المهلَّبيّ ] « 2 » ، وحلب الدهر أشطره ، وجرّب الأمور ، وسبر الزمان ، ذكر الزمان وتصرّفه ، وفساد الإخوان فيه ، وقلَّة المودّات ، وما بلغني عن أبي الحسن ابن الفرات « 3 » ، أنّه قال : جزى اللَّه عنّا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا ، وأنّه قال : أحصيت ما أنا فيه من المكاره ، فما وجدت منه شيئا لحقني ، إلا ممّن أحسنت إليه . فقال لي أبو الحسن : هذا صحيح ، ولكن حدث عند فساد الزمان ، وإلَّا فالأكثر من عدد الناس ، كان قديما ، على تصرّف زمانهم ، ما يعتقدونه من مودّات إخوانهم ، فلمّا فسدت الطباع ، وتسمّح الناس في شروط مودّاتهم « 4 » ، صار الإنسان ساكنا « 5 » ممّن لا يعرفه ، لا يلحق به شره ، ولا يناله ضرّه ، وإنّما يلحق الآن الضرر من المعارف ، ومن يقع عليه اسم الإخوان ، وذلك إنّهم يطالبون في المودّة بما لا يفعلون مثله ، فإن أسدى إليهم إحسانا [ عرف طبعه فهي العداوة القليلة ] « 6 » ، وإن حفظ الإنسان ما يضيّعونه أبدا حصل تحت الرقّ ، وإن قارضهم الإفعال ثارت العداوة ، وتواترت عليه المكاره ، هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنّه صديقا بالشرّ والتجنّي ، والمعاملة [ 182 ط ] القبيحة بالتوهّم والتظنّي ، من غير تثبّت ولا استصلاح ،

--> « 1 » سباشي الحاجب : القائد الخوارزمي التركي ، من قواد معز الدولة ، اعتقله بختيار لما اعتقل كافة رجال المملكة بالأهواز ، ثم أطلقه لما هاج عليه الأتراك ، ويتضح من القصة أنه تقلد عمالة البصرة ثم قلدها أبا الحسن الأهوازي ( تجارب الأمم 2 / 325 و 329 ) . « 2 » انفردت بها ب . « 3 » أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير : ترجمته في حاشية القصة 1 / 9 من النشوار . « 4 » في ط : المودات . « 5 » في ط : شاكا ، والتصحيح من ب . « 6 » في ب : عرف طعمه ، ولم أفهم معنى الجملة ولم أستطع ردها إلى أصلها .